حبيب الله الهاشمي الخوئي
327
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ولما كان ملازمة هذه الأمور الثلاثة بأجمعها شاقّة صعبة في حقّ الأغلب من النّاس لا جرم رخّص لهم في طول الأمل بقوله ( فان عزب ) وبعد ( ذلك عنكم فلا يغلب الحرام صبركم ولا تنسوا عند النّعم شكركم ) يعنى أنّكم إن لم تتمكَّنوا من الاتيان بالأمور الثلاثة فلا محالة لا تتركوا الاثنين إذ ما لا يدرك كلَّه لا يترك كلَّه ، وإنما رخّص في ترك طول الأمل ولم يرخّص في ترك الشّكر أو الورع لأنّ طول الأمل ليس محرما بالذّات وإن كان ينجرّ إلى المحرم أحيانا بخلاف الكفران والتّقحم في المحارم ، فانّهما محرّمان بالذّات والتّرخيص فيهما موجب للاغراء بالقبيح . ثمّ اكد ملازمة الزّهادة وعلل لزومها بقوله ( فقد أعذر اللَّه إليكم بحجج مسفرة وكتب بارزة العذر واضحة ) يعنى أظهر عذره إليكم في تعذيبكم لو خالفتم تكاليفه بإقامة الحجج الظاهرة المضيئة وإنزال الكتب الواضحة التي أبرز فيها عذره ، * ( إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ ) * ، و * ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ا للهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) * . أو أنّه سبحانه أزال عذره بإقامة البراهين العقليّة والنقلية والحجج الباطنيّة والظاهرية فلم يبق لكم مقام للاعتذار وأن تقولوا يوم القيامة * ( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِه ِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا ) * . تبصرة ينبغي أن نشير إلى بعض ما ورد في فضيلة صفة الزهادة وذمّ نقيضها أعنى الرغبة من الآيات والأخبار ونردف ذلك بذكر اقسام الزّهد . فأقول قال سبحانه : * ( فَخَرَجَ عَلى قَوْمِه ِ فِي زِينَتِه ِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّه ُ لَذُو حَظٌّ عَظِيمٍ ، وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ ا للهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا